في هذا المقال التحليلي، تعرض الدكتورة نادية حلمي القراءة الصينية لفشل اتفاقيات أبراهام الإسرائيلية في تحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث ترى بكين أن هذه الاتفاقيات، رغم نجاحها في إحداث تقارب دبلوماسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والأفريقية، أخفقت في معالجة جوهر الصراع الإقليمي.
نشر هذا التحليل منصة مودرن دبلوماسي في إطار نقاش أوسع حول توازنات القوة والنفوذ في المنطقة.
تجاهل القضية الفلسطينية وجوهر الصراع
تنطلق الرؤية الصينية من قناعة أساسية مفادها أن اتفاقيات أبراهام تجاوزت لبّ الصراع في الشرق الأوسط، والمتمثل في القضية الفلسطينية.
تؤكد بكين أن أي سلام حقيقي ودائم لا يمكن أن يتحقق من دون حل عادل وشامل يقوم على مبدأ حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. من هذا المنظور، تعتبر الصين أن تهميش الحقوق الفلسطينية باسم التطبيع والسلام أفرغ هذه الاتفاقيات من مضمونها، وجعلها هشة وقابلة للانهيار مع أول تصعيد عسكري، كما ظهر بوضوح في حرب غزة.
ترى بكين أن اندلاع الصراعات الأخيرة كشف محدودية المقاربة الإسرائيلية – الأميركية التي ركزت على التطبيع السياسي والأمني، وأهملت الجذور التاريخية للصراع. وبدل أن تؤدي هذه المقاربة إلى الاستقرار، عمّقت الإحساس بالظلم، وأسهمت في استمرار دوامة العنف وعدم الثقة في المنطقة.
من السلام إلى الاستقطاب وبناء المحاور
تنتقد الصين اتفاقيات أبراهام لأنها، من وجهة نظرها، عززت منطق “الكتل المواجهة” بدل تخفيف التوترات. تنظر الدوائر الصينية إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها جزءًا من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى عزل قوى إقليمية بعينها، وعلى رأسها إيران، عبر بناء تحالفات أمنية موجهة. تؤدي هذه السياسة، وفق القراءة الصينية، إلى زيادة الاستقطاب الإقليمي بدل خلق بيئة حوار شاملة.
كما تعبّر بكين عن قلقها من أن الاتفاقيات أولت أولوية للأمن العسكري على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واعتمدت منطق “القوة تصنع الحق” في إدارة الصراعات. في المقابل، تطرح الصين رؤية بديلة تقوم على “السلام عبر التنمية”، وتشجع على حوارات جامعة لا تستثني أي طرف، مستشهدة بدورها في الوساطة بين السعودية وإيران كنموذج مغاير للنهج الأميركي.
تخشى الصين كذلك من أن تؤدي اتفاقيات أبراهام إلى إنشاء محاور عسكرية جديدة تعمّق الانقسامات في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو ما يهدد مصالحها التجارية ومبادرة “الحزام والطريق”، التي تعتمد على الاستقرار والانفتاح والتعامل مع جميع الأطراف دون استثناء.
مصر والصين والبحث عن توازن استراتيجي جديد
يربط المقال بين فشل اتفاقيات أبراهام وبين التحولات في العقيدة العسكرية والسياسية المصرية من منظور صيني، خاصة مع تعيين الفريق أول أشرف سالم زاهر وزيرًا للدفاع في فبراير 2026. ترى بكين في هذا التعيين مؤشرًا على توجه مصري لتعزيز الشراكة التكنولوجية والعسكرية مع الصين، كبديل أو موازن للتأثير الأميركي المرتبط باتفاقيات أبراهام.
وفق الرؤية الصينية، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على حساب جميع دول المنطقة، حتى تلك التي طبّعت علاقاتها معها. لذلك، ترفض واشنطن تزويد هذه الدول بتقنيات عسكرية متقدمة. في هذا السياق، يمثل التوجه المصري نحو تنويع مصادر السلاح وتعميق التعاون مع الصين محاولة للالتفاف على هذه القيود السياسية والعسكرية.
تعتبر الصين أن القيادة العسكرية المصرية الجديدة منفتحة على توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة، لا الاكتفاء بشراء السلاح، وهو ما ينسجم مع الطموحات الصينية لتعزيز شراكات طويلة الأمد في مجالات التصنيع الدفاعي وبناء القدرات البشرية. على الصعيدين الأفريقي والإقليمي، ترى بكين أن التعاون مع مصر يتيح تقديم نموذج أمني وتنموي بديل عن النموذج المرتبط باتفاقيات أبراهام، خاصة في القرن الأفريقي والممرات المائية الحيوية.
ترى الصين أن اتفاقيات أبراهام فشلت في تحقيق السلام المنشود لأنها عالجت النتائج لا الأسباب، وركزت على الأمن والتطبيع الاقتصادي متجاهلة جوهر الصراع المتمثل في القضية الفلسطينية. تؤكد بكين أن السلام المستدام يحتاج إلى حلول عادلة وشاملة تحترم السيادة الوطنية وتعالج جذور النزاعات، لا إلى ترتيبات أمنية وتجارية تخدم مصالح ضيقة. من هذا المنطلق، تفضّل الصين دعم أدوار الوساطة، وعلى رأسها الدور المصري، والسعي إلى توازن إقليمي متعدد الأقطاب يقوم على التنمية والحوار بدل الاستقطاب والقوة.
https://moderndiplomacy.eu/2026/02/16/why-the-abraham-accords-failed-to-bring-peace-to-the-middle-east-chinas-perspective/

